*بقلم الإعلامي علي أحمد مدير ورئيس تحرير موقع صدى فور برس*
مع اقتراب عيد الأضحى، يعود المشهد في المنطقة مثقلاً بصور الحرب والدمار، فيما تتواصل عمليات الاغتيال وتصفية القيادات واستهداف القرى والمناطق المدنية تحت عناوين أمنية وسياسية متشابكة. وبينما يعيش الناس انتظار الأعياد بما تحمله من معاني الرحمة والطمأنينة، تفرض الحروب واقعاً مختلفاً تُختزل فيه حياة المدنيين بأرقام الضحايا والخسائر اليومية.
لقد بات واضحاً أن سياسة الاغتيالات لم تعد مجرد عمليات عسكرية محدودة، بل تحولت إلى نهج دائم تستخدمه قوات الاحتلال ضمن استراتيجية تقوم على فرض معادلات القوة وإعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة. فالقرى الحدودية والمناطق السكنية أصبحت مسرحاً دائماً للقصف والاستهداف، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من أمنهم وأرزاقهم وحياتهم اليومية. الأطفال الذين كانوا ينتظرون ثياب العيد، والعائلات التي كانت تستعد لطقوسه الاجتماعية والدينية، تجد نفسها اليوم أمام مشاهد النزوح والخوف وفقدان الأحبة.
وفي خضم هذا التصعيد، تتكرر مشاهد المفاوضات السياسية التي تُقدَّم للرأي العام على أنها محاولات للتهدئة أو الوصول إلى حلول، إلا أن كثيرين يرون أنها تبقى خاضعة لموازين المصالح الأميركية والإسرائيلية أكثر من خضوعها لمعاناة الشعوب وحقوق الضحايا. فالمواقف الدولية غالباً ما تتحرك وفق حسابات النفوذ والمكاسب السياسية، بينما تتراجع الاعتبارات الإنسانية إلى الصفوف الخلفية.
الولايات المتحدة، بوصفها اللاعب الأبرز في رعاية معظم المسارات التفاوضية، تتعرض لانتقادات واسعة بسبب انحيازها الواضح لإسرائيل سياسياً وعسكرياً، ما يجعل أي وساطة موضع شك لدى شريحة كبيرة من الرأي العام العربي. وفي المقابل، تستفيد إسرائيل من هذا الغطاء الدولي للاستمرار في عملياتها العسكرية، سواء عبر الاغتيالات أو التوسع في العمليات الأمنية، تحت ذريعة حماية أمنها القومي.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة تبقى في عدد الضحايا الذين يسقطون يومياً نتيجة هذه الصراعات. فالحروب لا تميز بين مقاتل ومدني عندما تمتد إلى الأحياء السكنية والقرى والأسواق. آلاف العائلات فقدت أبناءها، ومدن كاملة تحولت إلى مناطق منكوبة، فيما يكبر جيل جديد وسط أصوات الطائرات والانفجارات بدل أصوات الفرح والأمان.
ومع اقتراب عيد الأضحى، يزداد الشعور بالمفارقة المؤلمة بين رمزية العيد القائمة على التضحية والتكافل، وبين واقع الدم والحصار والانقسام. ففي الوقت الذي تستعد فيه شعوب العالم للاحتفال، يعيش كثيرون في مناطق النزاع حالة حداد جماعي، ينتظرون خبراً عن مفقود، أو هدنة مؤقتة، أو فرصة للنجاة.
ويبقى السؤال المطروح: إلى متى ستبقى أرواح المدنيين رهينة الحسابات السياسية والمصالح الدولية؟ وهل يمكن أن تنجح أي مفاوضات لا تضع الإنسان وحقه في الحياة والأمن في مقدمة أولوياتها؟
إن المنطقة اليوم لا تحتاج فقط إلى اتفاقات سياسية، بل إلى إرادة حقيقية توقف دوامة العنف، وتحفظ كرامة الشعوب، وتعيد للإنسان حقه الطبيعي في أن يعيش الأعياد بسلام لا تحت ظلال الحرب والخوف.





